ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
162
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
فأرجو من العامل بمنزلة عيسى عليه السلام ولعلّ من الحق تعالى فإن لأمر المحقق ، ولا يخفى على اللّه خافية فإن المحقق قد علم وشهد وما عند اللّه ، بل علم نفسه بمنزلة علم اللّه به ؛ لأن الأخذ من معدن واحد ، فافهم أنه رضي اللّه عنه من الذين سبقت لهم منّا الحسنى وزيادة . ( أن يكون الحق ) إنما قال : الحق ولم يقل اسما آخر ؛ إذ لا يطلب الحق ولا يعطي إلا بالحق ؛ لأنه أعطى كل شيء خلقه وهو ما يستحقه ، فالسائل لو لم يكن مستحقّا استحقاقا ذاتيّا ما أعطاه . ( لما سمع دعائي قد أجاب ندائي ) أنه سميع الدعاء يقال : دعوت فلانا : أي صحت به نداء ودعوت اللّه له وعليه دعاء ، والنداء الصوت وناداه مناداه ونادى : أي صاح به ، ذكره في الصحاح . دعا رضي اللّه عنه امتثالا بقوله تعالى : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] . قال تعالى : أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [ البقرة : 186 ] وما دعاؤه رضي اللّه عنه إيّاه تعالى إلا عين قوله : يا اللّه وهو للّه وجوابه لبيك ، فهو الدعوة وبه يسمّى داعيا . قال رضي اللّه عنه : هذا لا بد من اللّه في حق كل سائل ، ثم ما يأتي بعد هذا النداء فهو خارج عن الدعاء وقد وقعت الإجابة ، وأمّا ما طلب من الحوائج فلم يضمن إجابتها عناية ورحمة بهم ؛ لأنه قد يسأل مما لا خير فيه . قال تعالى : وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ [ الإسراء : 11 ] ، . أما ترى بلعام بن باعوراء قد أتاه اللّه العلم بخاصة آية من آياته ، ودعا على موسى عليه السلام فأجاب تعالى دعاءه فشقي الدّاعي شقاوة وانسلخ ، وجعل مثله كمثل الكلب ، فقضاء ما طلب من الحوائج بالمشيئة . قال اللّه تعالى : وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ [ الأنبياء : 83 ، 84 ] .